صديق الحسيني القنوجي البخاري

101

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي يلته بالدنيا عن الدين ، ويشتغل بها عما ذكر فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي الكاملو الخسران في تجارتهم ، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني . وهو عن أبي هريرة قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الدنيا ملعونة : وملعون ما فيها ، إلا ذكر اللّه وما والاه ، وعالم ومتعلم » « 1 » ، أخرجه الترمذي . أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ الظاهر أن المراد الإنفاق في الخير على عمومه ، وقيل : المراد الزكاة المفروضة ، ومن للتبعيض أي أنفقوا بعض ما رزقناكم في سبيل الخير ، وفي التبعيض بإسناد الرزق منه تعالى إلى نفسه زيادة ترغيب في الامتثال ، حيث كان الرزق له تعالى بالحقيقة ، ومع ذلك اكتفى منهم ببعضه . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ بأن تنزل عليه مقدماته وأسبابه وأماراته ، ويشاهد حضور علاماته ودلائله ، ويتعذر عليه الإنفاق ، وقدم المفعول على الفاعل للاهتمام فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي أي يقول عند نزول ما نزل به مناديا لربه : هلا أمهلتني وأخرت موتي ، فلو لا بمعنى هلا التي معناها التحضيض وتختص بما لفظه ماض ، وهو في تأويل المضارع كما هنا ، إذ لا معنى لطلب التأخير في الزمن الماضي ، أو لا زائدة ، ولولا للتمني ، وقضية كلام الكشاف أن لولا بمعنى هل الاستفهامية والأولى أولى . إِلى أَجَلٍ أي زمن واحد قَرِيبٍ قصير قليل بقدر ما أستدرك فيه ما فاتني فَأَصَّدَّقَ أي فأتصدق بمالي ، أو بالزكاة ، قرأ الجمهور بإدغام التاء في الصاد ، وانتصابه على أنه جواب التمني ، وقيل : إن لا في لولا زائدة ، والأصل لو أخرتني ، وقرىء فأتصدق بدون إدغام على الأصل وَأَكُنْ قرأ الجمهور بالجزم على محل فأصدق ، كأنه قيل : إن أخرتني أصدق وأكن ، قال الزجاج : معناه هلا أخرتني ؟ وجزم أكن على موضع فأصدق ، لأنه على معنى إن أخرتني أصدق وأكن ، وكذا قال أبو علي الفارسي وابن عطية وغيرهم ، وقال سيبويه حاكيا عن الخليل : إنه جزم على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني ، وجعل سيبويه هذا نظير قول زهير : بدا لي أني لست مدرك ما مضى * ولا سابق شيئا إذا كان جائيا « 2 »

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 14 ، وابن ماجة في الزهد باب 3 ، والدارمي في المقدمة باب 32 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 287 ، وتخليص الشواهد ص 512 ، وخزانة الأدب 8 / 492 ، 496 ، 552 ، 9 / 100 ، 102 ، 104 ، والدرر 6 / 163 ، وشرح شواهد المغني 1 / 282 ، وشرح المفصل 2 / 52 ، 7 / 56 ، والكتاب 1 / 165 ، 3 / 29 ، 51 ، 100 ، 4 / 160 ، ولسان العرب ( نمش ) ، ومغني اللبيب 1 / 96 ، والمقاصد النحوية 2 / 267 ، -